(الإبداع) بين السلطان والباذنجان ! – محمد ناجي

قبل أيام ، بعثت لي صديقة وكاتبة سوريّة ، تعرف مدى اهتمامي بالبحث والكتابة في موضوع الاستبداد ، لقطة طريفة وساخرة من موقف لمثقف/شاعر مرتزق ، كانت قد قرأتها في كتاب (أفواه الزمن) . بحثت عن الكتاب ، ووجدته ، في أكثر من موضع ، يسخر بعمق وهدوء عاصف من أعداء الإنسان ، أصحاب السلطة والمال وملحقاتهم ، من مرتزقة ومبخّرين ومدّاحين ، مثقفين ورجال دين وعامة الناس ، باختلاف الزمان والمكان . طرافة اللقطة وبساطتها ووضوحها دفعني للكتابة عنها لتعميم المتعة والفائدة ، فربما يقرأ البعض ويفهم ويتعظ :محمد ناجي

( قبل ألف سنة قال سلطان بلاد فارس :

  • كم هو لذيذ .

لم يكن قد تذوق الباذنجان من قبل قط ، وكان يأكل شرائح منه ، متبلة بالزنجبيل وأعشاب النيل .

عندئذ امتدح شاعر البلاط الباذنجان الذي يمتّع الفم ، ويحقق المعجزات في الفراش ، لأنه في مآثر الحب ، أقوى من مسحوق ناب النمر ومن قرن الكركدن المبشور .

بعد لقمتين من ذلك ، قال السلطان :

  • يا للقرف .

عندئذ لعن شاعر البلاط ، الباذنجان المخادع ، الذي يسبب عسر الهضم ، ويملأ الرأس بأفكار خبيثة ، ويدفع الرجال الصالحين إلى مهاوي الهذيان والجنون .

  • قبل قليل رفعت الباذنجان إلى الفردوس ، وها أنتذا تلقي به إلى الجحيم – علق أحد الماكرين .

الشاعر الذي كان أحد أنبياء وسائل الاتصال الجماهيري ، وضع الأمور في نصابها :

  • أنا نديم السلطان ، ولست نديم الباذنجان .)

هذا الموقف (الباذنجاني) ، مدفوع الثمن ، استحضر في الذاكرة مواقف أخرى ، مماثلة يزخر بها تراثنا ، من بينها ما كان لأبي تمام مع (الأفشين) ، احد قادة جيش الخليفة المعتصم العباسي ، والذي قاتل الروم ، وأبلى بلاءا حسنا في معركة (عمورية) ، ونال رضى واستحسان الخليفة ، ولفت نظر الشاعر أبو تمام فمدحه بأبيات جاء فيها :

لَقد لَبِسَ الأَفْشينُ قَسْطَلَة َ الوَغَى ***** مِحَشّاً بنَصْلِ السَّيْفِ غَيَرَ مُوَاكِلِ

وسارَتْ بهِ بينَ القنابلِ والقنا ***** عَزائِمُ كانَتْ كالقَنَا والقَنابِلِ

وجرَّدَ منْ آرائهِ حينَ أضرمَتْ ***** به الْحَرْبُ حدّاً مِثْلَ حَد المَنَاصِلِ

رأى بابَكٌ منه التي لا شوى لها ***** فَتُرْجَى سِوَى نَزْعِ الشَّوَى والمَفَاصِلِ

تراه إلى الهيجاء أولَ راكبٍ ***** وتحتَ صَبير المَوْتِ أَوَّلَ نَازِلِ

وعندما دارت الأيام دورتها ، ونال الأفشين سخط المعتصم ، الذي أمر بصلبه وحرقه بتهمة الكفر والإلحاد ، لم يتردد أبو تمام في الدوران كما دارت الأيام ، وتوجيه البوصلة و(الإبداع) لينسجم مع موقف الخليفة – ولي النعم – فعاد وذم الأفشين في قصيدة طويلة مطلعها :

الحقُّ أبلجُ والسيوفٌ عوارِ ***** فَحَذَارِ مِنْ أَسَدِ العَرِينِ حذَارِ

ومما جاء فيها : 

ما كانَ لولا فحشُ غدرٌ خيذرَ ***** ليكونَ في الإسلام عامُ فجارِ

ما زالَ سرُّ الكفرِ بينَ ضلوعهِ ***** حتَّى اصطلَى سِرَّ الزنادِ الوَاري

ناراً يُساوِرُ جِسْمَهُ مِنْ حَرها ***** لهبٌ كما عصفرتَ شقَّ إزارِ

طارتْ لها شعلٌ يهدمُ لفحها ***** أرْكَانَهُ هَدْماً بغيْرِ غُبَارِ

مشبوبة ً رفعتْ لأعظمِ مشركِ ***** ما كانَ يَرفَعُ ضَوْءَها للسَّارِي

يمكن لأي قارئ للتراث ، أن يجد مثل هذه المواقف ، كقصائد المتنبي في مدح كافور الإخشيدي ومن ثم انقلابه عليه وهجاءه ، وأيضا مدح الفرزدق ، المحسوب كشاعر للشيعة ، لعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، ثم رثاءه لابن ، جلاد الشيعة ، الطاغية الحجاج وأخيه ، أما الحاضر فحدث ولا حرج .

الشارع الثقافي ، تقليديا ، ينظر بعين واحدة (عوراء) لمواقف هؤلاء (المبدعون) سواء كانت مع السلطان أو مع الباذنجان ! لذا من الضروري خرق هذا التقليد وفتح ثغرة في الجدار لتدخل منها حزمة ضوء تزيل الغشاوة ، ولو قليلا ، عن بصر وبصيرة البعض ممن يرى الصورة مشوشة ، وأحيانا بالمقلوب ، في دور المثقف ومسؤوليته ، المباشرة وغير المباشرة ، في توظيف (إبداعه) وتكريسه لخدمة السلطة والمال ، وإشاعة قيم وثقافة ونهج الاستبداد ، في الدولة والمجتمع ، على حساب مسخ عقل وكرامة الإنسان ، وسلب حقوقه ، وتحويله إلى كائن سلبي مهمّش وعاجز، ومهووس بالتقديس والهتاف لكل من هب ودب : ( بالروح بالدم نفديك يا ….. كافور ) !

محمد ناجي

muhammednaji@yahoo.com

Share on FacebookEmail this to someoneTweet about this on TwitterPrint this pageShare on Google+

التعليقات