بعد عقود من الغياب..علي يعود والسفيرة الشاطرة صفية السهيل هي السبب- هادي جلو مرعي

سنوات من الغياب ومن العذاب والغربة المرة والقاتلة قضاها علي يبحث عن مصير في زمان وأمكنة تتعدد بعد أن غادر بلدا تحكمه القسوة والتغييب وتهميش المواطن وتصنيفه وتركيز السلطة بيد مجموعة حاكمة قاهرة.. تاهت به السبل، وتاه بها، ولم يعرف المصير.unnamed-1

بعد عام 2003 وصل الى المملكة الأردنية الهاشمية وعمل في قطاعات مختلفة ليؤمن وضعه المادي الذي لم يكن ملائما، وبقي يعيش ويعمل ويسكن مع عدد من العراقيين والعرب، وكان له أصدقاء من الأردن يحبونه ويقدرونه، حتى جاءت اللحظة التي كانت فارقة بالفعل في حياته فهو لم يكن يعلم بمصير أهله الذين تركهم في العراق. ربما كان يظن أنهم فقراء محرومون ويعانون بسببه، أو أن النظام الحاكم عاقبهم، أو أتهمهم بالتواطيء معه وتسهيل مغادرته، أو أن السلطة تشك بتواصله مع أشقائه، وربما تكون وضعتهم في السجن. هو لم ينجح في الغربة، وكان يعاني، ولم يكن يهتدي الى سبيل ليعود، ولم تتوفر لديه معلومات عن والدته ووالده اللذين توفيا بعد سنوات قليلة من رحيله كذلك شقيق له توفي هو الآخر.

الصدفة قادته الى المجهول. لكن هذا المجهول تحول الى إنتصار، ومعرفة بالمصير النهائي، لم يدرك أن خطأ ظنه جسيما سيعود به الى بغداد، وعن طريق المطار الذي لم يكن يجرؤ قبل 2003 على التفكير بدخوله، أو السفر من خلاله، فقد غادر بمساعدة الأصدقاء عبر الصحراء، وهو يتحسب من أن يعتقل في أية لحظة قبل أن يصل الحدود البرية.

في طبربور، وهي ضاحية في العاصمة الأردنية عمان كان علي يقيم ويعمل. وفي يوم خريفي في أواخر نوفمبر 2016 تم إحتجازه بمخالفة ( الإقامة غير الشرعية) ودخل السجن، كان علي بعد كل تلك السنين الممتدة من 1989 وحتى 2016 ميتا، ولاأحد يتمكن من معرفة مصيره فهو ميت على أية حال، وقد يكون في مقبرة من تلك المقابر المنتشرة من صحارى الحضر والنمروذ حتى صحراء الناصرية والسماوة التي أنتجت عشرات آلاف الهياكل العظمية التي لايعرف أصحابها. وربما كان علي واحدا من أصحاب تلك الهياكل.

فجأة.. أحد الرفقاء في عمان يهتدي الى سبيل فعلي في السجن، وقد ترتبت على مخالفته لقوانين البلاد التي هو فيها غرامات مالية، وقد يتعرض الى مصاعب، وليس لديه أوراق شخصية، وكان تركها في العراق قبل أن يغادر. الفيس بوك الشيطان الساحر هل يمكنه أن يصل الى الحاج حسين شقيقه الذي كان يئس من معرفة مصيره؟ تم نشر صورة لعلي، وتعليق من أحد الأصدقاء لعله أن يصل ووصل. في تلك الساعة من مساء يوم خريفي نهاية 2016 إلتقط الحاج حسين الإشارة، وعرف الأهل والعشيرة وأصدقاء الطفولة والأخوات الباكيات من زمن بعيد على فقد الأم والأب والشقيق، هتف هاتف بالجميع أن يتحركوا، وإجتمع الأهل والعشير، وجرى إتصال مع أحد الصحفيين، وكانت إستحابته مبهرة حيث سارع الى الإتصال بسفيرة العراق في المملكة الأردنية السيد صفية السهيل ولكنها كانت مشغولة بعمل ما، فجأة رن الهاتف من عمان، أنا صفية السهيل، أهلا ست، هذه قصتنا بين يديك.

طيب لاتقلقوا. توكلوا على الله سأتصرف بإذن الله، وسأعطيك النتيجة غدا. مر يوم كامل، فجأة تتصل السيدة السفير وتقول نعم، لقد وجدنا علي وقد ذهب محامي السفارة والقنصل عدي حاتم ليقوموا بإجراءات سريعة.

إتصلت صفية السهيل بوزير الداخلية، وبأجهزة مختصة، ورغم مغادرتها الى بغداد لحضور مؤتمر سفراء العراق في الخارج فقد شكلت خلية أزمة في السفارة مهمتها الوصول الى علي وتطمينه. والتخفيف من معاناته والتأكيد عليه بأن لايخاف ولايخشى، فهنا سفارة تراقب الوضع وتتصل وتتحرك. السجناء الأجانب شعروا بالأمر، وصاروا يتحدثون مع بعض وهو يسمعهم، أنظروا الى حال من لديه سفارة قوية، إنه ينتظر الخروج من السجن، وصارت القهوة العربية والسجائر تصل إليه فالسفيرة السهيل تتصل من بغداد وتغادر إجتماعاتها للحظات لكي تجري مكالمة مع عمان، ثم تعود.

أبلغتها السلطات الأردنية أنها في صدد الإستجابة وستقوم بإجراءات قانونية، ولن يتأخر مكوث علي في السجن، قبل أن تغادر الى بغداد طلبت من الصحفي أن يبعث لها بصور من أوراق علي الشخصية وصورة شخصية له، وأسرعت بإصدار جواز سفر، ثم حجزت له تذكرة الى بغداد على متن الخطوط الجوية العراقية، وصارت تتابع موعد الرحلة وساعة الوصول. وخرج علي من السجن تاركا ذكرياته المريرة وعذابات السنين.

في بغداد وفي مساء الأربعاء 22- 12-2016 كان الأهل والأصدقاء وأبناء العشيرة ينافسون عباس بن فرناس على المكان، وكانوا يرغبون في التحليق الى مدرج المطار ليوقفوا الطائرة ويتفحصوا المسافرين واحدا واحدا. وحين نزل المسافرون كان الترقب والخوف سيد الموقف والخشية من طارئ ما لكنهم كانوا أبلغوا أن عليا بالفعل على متن الطائرة.

نعم إنه هناك ذاك هو علي، وإحتضنوه، وكانوا يبكون، بينما عمت الإحتفالات الحي الذي يسكنه أهله. هولاء أخوته إنهم يبدون بصحة جيدة، إنهم أثرياء ولديهم أصدقاء كثر ويتصلون بكبار المسؤولين. لم يكن ليصدق لكنها الحقيقة.

في منزلها ببغداد إستقبلت صفية السهيل علي وقدمت له الحلوى والعصير والشاي وتكلمت معه، كان قد بدأ يستعيد عافيته وذاكرته، وكان يتنفس هواءا فارقه من 27 عاما. قال لها، تعجز الكلمات ياسيدتي عن وصف مافعلت.. شكرا لك أبدا.. قال لها، لو كان لنا سفير مثلك في أمريكا لما تأخرت دفعات طائرات F16 الأمريكية..

Bifogade filer:
Share on FacebookEmail this to someoneTweet about this on TwitterPrint this pageShare on Google+

التعليقات